فاجعة داخل مستشفى: وفاة أستاذ رياضيات بعد سقوطه من الطابق العاشر في مصعد نفايات
في حادثة أليمة هزّت الرأي العام وخلّفت حالة من الحزن والغضب، عُثر بعد أكثر من 48 ساعة من البحث المتواصل على أستاذ رياضيات متقاعد جثة هامدة داخل أحد المصاعد بمستشفى يُصنَّف من بين الأفضل في تونس. حادثة صادمة أعادت إلى الواجهة أسئلة موجعة حول السلامة، الإهمال، ومسؤولية حماية أرواح المواطنين داخل الفضاءات الصحية التي يُفترض أن تكون ملاذًا للأمان لا بوابة للموت.
الفقيد، الأستاذ محمد بن عثمان، ابن مدينة رأس الجبل، كان قد توجّه بكل بساطة إلى المستشفى لإجراء تحاليل طبية وُصفت بالروتينية. لم يكن يحمل سوى أمل الاطمئنان على صحته والعودة سريعًا إلى عائلته. لكن ما لم يكن في الحسبان، أن تتحول تلك الزيارة العادية إلى رحلة بلا عودة، وأن يعود الرجل إلى أهله في صندوق، في مشهد لا يمكن لأي كلمات أن تخفف من قسوته.
وحسب المعطيات المتداولة، فإن الأستاذ ضغط عن طريق الخطأ على زر أحد المصاعد، ليفتح له مصعد مخصص للنفايات، لا يُفترض أن يكون متاحًا للعموم إلا بمفتاح خاص. المصعد، ومن بين ستة مصاعد موجودة بالمستشفى، فتح أبوابه في ذلك اليوم المشؤوم دون أي وسائل أمان، ودون وجود العربة داخله، ما أدى إلى سقوط الأستاذ من الطابق العاشر، ووفاته على عين المكان.
الأكثر إيلامًا في هذه الفاجعة، ليس فقط طريقة الوفاة، بل أيضًا أن الجثة لم يُتفطن إليها إلا بعد أكثر من 48 ساعة من البحث المتواصل. ثمانية وأربعون ساعة من القلق، من الانتظار، من الأمل الكاذب، قبل أن تنكشف الحقيقة المؤلمة. كيف يمكن أن يختفي إنسان داخل مؤسسة صحية بهذا الحجم دون أن ينتبه إليه أحد؟ وأين كانت أنظمة المراقبة، والرقابة، والإجراءات المفترض أن تمنع مثل هذه الكوارث؟
هذه الحادثة ليست مجرد خبر عابر، بل جرس إنذار خطير. إنها تكشف هشاشة منظومة السلامة داخل بعض المؤسسات، حتى تلك التي تُقدَّم كنماذج للتميز. كما تطرح ضرورة مراجعة صارمة لكل ما يتعلق بصيانة المصاعد، الفصل الواضح بين المصاعد المخصصة للعموم وتلك التقنية، وضمان عدم فتح أي باب إلا في وجود شروط السلامة الكاملة.
رحيل الأستاذ محمد بن عثمان لا يمكن أن يُختزل في حادث عرضي. هو خسارة إنسانية كبيرة، لرجل أفنى عمره في تعليم الأجيال وخدمة العلم، وانتهت حياته بطريقة مأساوية لا تليق لا بتاريخه ولا بكرامته. لذلك، فإن أقل ما يمكن تقديمه لروحه، هو كشف الحقيقة كاملة، وتحميل المسؤوليات، والعمل الجاد حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي في بلادنا.
في الختام، نترحّم على “شهيد المصعد” الأستاذ محمد بن عثمان، ونسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم عائلته وذويه جميل الصبر والسلوان. رحمك الله أستاذنا، وستبقى قصتك شاهدًا مؤلمًا على ضرورة الإصلاح قبل فوات الأوان.