اخبار عامة

عنف التلاميذ في المدارس: حين تتحول الفصول إلى ساحة مواجهة

في حادثة صادمة هزّت الوسط التربوي، شهد أحد الأقسام التعليمية قيام تلميذين بسحب أسلحة بيضاء داخل الفصل، في مشهد أثار حالة من الذعر والخوف في صفوف التلاميذ والأساتذة على حد سواء. هذا التصرف الخطير أعاد إلى الواجهة ملف العنف المدرسي، وطرح تساؤلات جدية حول الأسباب الحقيقية التي تدفع بعض التلاميذ إلى جلب أدوات حادة إلى فضاء يفترض أن يكون آمنا ومخصصا للتعلم وبناء الشخصية.

المدرسة ليست مجرد مكان لتلقّي الدروس، بل هي فضاء تربوي يفترض أن يغرس قيم الاحترام والتعايش السلمي وحل الخلافات بالحوار. وعندما يتحول القسم إلى مسرح للتهديد والعنف، فإن ذلك يعكس خللا أعمق من مجرد سلوك فردي عابر. فالتلميذ الذي يلجأ إلى السلاح، مهما كان عمره، غالبا ما يكون تحت ضغط نفسي كبير أو يعيش مشاكل اجتماعية وأسرية لم تجد من يصغي إليها في الوقت المناسب.

العنف داخل المؤسسات التعليمية لا يولد من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات متعددة، من بينها التفكك الأسري، وغياب المتابعة، وتأثير بعض المحيطات السلبية، إضافة إلى ضعف الإحاطة النفسية داخل المدارس. كما أن بعض التلاميذ يعانون من التنمر أو الإقصاء، ما يدفعهم إلى تبني سلوك عدواني ظنا منهم أنه وسيلة للدفاع عن النفس أو فرض الوجود.

مثل هذه الحوادث تترك آثارا نفسية خطيرة، ليس فقط على التلميذين المعنيين، بل على كامل القسم. فالتلاميذ الذين عايشوا لحظة إخراج السلاح قد يعيشون حالة خوف دائم، ويشعرون بانعدام الأمان داخل المدرسة، وهو ما ينعكس سلبا على تركيزهم ومستواهم الدراسي. كما أن الأستاذ يجد نفسه في وضع صعب بين واجبه التربوي وضرورة حماية نفسه وبقية التلاميذ.

من جهة أخرى، فإن التعامل مع هذه الحوادث يجب أن يكون بعيدا عن منطق العقاب فقط. صحيح أن تطبيق القانون والنظام ضروري لحماية الجميع، لكن الأهم هو فهم الدوافع ومعالجة الأسباب. التلميذ الذي أخطأ يحتاج إلى توجيه وتأطير نفسي واجتماعي، حتى لا يتحول الخطأ إلى مسار دائم من الانحراف والعنف.

الوقاية تبقى الحل الأنجع للحد من مثل هذه الظواهر، وذلك من خلال تعزيز دور المرشدين النفسيين داخل المدارس، وفتح قنوات حوار حقيقية مع التلاميذ، وتشريك الأولياء في متابعة أبنائهم سلوكيا ونفسيا، لا الاكتفاء بالنتائج الدراسية فقط. كما أن ترسيخ ثقافة الحوار واحترام الاختلاف داخل الفضاء المدرسي يمكن أن يخفف من حدة النزاعات قبل أن تتطور إلى مواقف خطيرة.

في الختام، حادثة سحب أسلحة بيضاء داخل القسم ليست مجرد خبر عابر، بل جرس إنذار يستوجب وقفة جادة من كل الأطراف المعنية. حماية المدرسة هي حماية للمجتمع بأكمله، والاستثمار في التربية السليمة والدعم النفسي هو الطريق الحقيقي لبناء جيل واعٍ، قادر على حل خلافاته بالكلمة لا بالسلاح.